عبد الإله بن سلمان بن سالم الأحمدي
231
المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة
اللّه عليه وسلم على ماعز بن مالك وعلى الغامدية مع قوله : « لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له » « 1 » ومثل إقامة الحد على من شرب النبيذ المتنازع فيه متأولا ، مع العلم بأنه باق على العدالة . . . وكذلك نعلم أن خلقا لا يعاقبون في الدنيا مع أنهم كفار في الآخرة ، مثل أهل الذمة المقرين بالجزية على كفرهم ، ومثل المنافقين المظهرين الإسلام فإنهم تجرى عليهم أحكام الإسلام وهم في الآخرة كافرون كما دل عليه القرآن في آيات متعددة كقوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً « 2 » الآية ، وقوله : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ، يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا « 3 » الآية وهذا لأن الجزاء في الحقيقة إنما هو في الدار الآخرة ، التي هي دار الثواب والعقاب . وأما الدنيا فإنما يشرع فيها من العقاب ما يدفع به الظلم والعدوان كما قال تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ « 4 » وإذا كان الأمر كذلك فعقوبة الدنيا غير مستلزمة لعقوبة الآخرة ولا بالعكس . ولهذا أكثر السلف يأمرون بقتل الداعي إلى البدعة الّذي يضل الناس لأجل فساده في الدين سواء قالوا هو كافر أوليس بكافر . وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم - بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار - لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية ، التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل ، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر .
--> ( 1 ) انظر : خبر ماعز بن مالك وخبر الغامدية في صحيح مسلم : 3 / 1319 - 1323 وانظر : فتح الباري : 12 / 117 ، 120 - 121 ، 135 - 136 . ( 2 ) سورة النساء / 145 . ( 3 ) سورة الحديد / 12 - 14 . ( 4 ) سورة الأنفال / 39 .